همسات الطريق المفقود "النسخة العربية"
- Ramez Alexan
- Feb 13, 2025
- 6 min read
مواسم التيه
في عقد الأحلام من عمره، ولا شيء يضيء عتمته سوى سيجارة تحترق ببطء، تذوب كما تذوب سنواته في وهم الانتظار
هو العابر بلا وجهة، الموشوم بالخوف من الغد، المطارد بظلال الماضي، المصلوب على أسوار الوحدة كغريقٍ يتشبث بأوهام النجاة. المدينة حوله مرسومةٌ بالفحم، أبنيتها متعبةٌ، نوافذها مكسورةٌ، وأرصفتها تئن تحت أقدام العابرين بلا ملامح. الكل يمضي، الكل يضحك، الكل يرقص على ألحان زائفة، وهو وحده يتكئ على جدار الوقت، يراقب الزمن ينسلّ من بين أصابعه كحفنة رملٍ تسخر من قبضته المرتجفة
الحب؟ كان يظنه نجمةً معلّقةً في سقف الليل، لكنه اكتشف أنه مجرد خدعةٍ بصرية، مجرد ضوءٍ يتلاشى كلما اقترب منه. كم مرةً مدّ يده نحو الدفء، ليكتشف أنه كان يمسك سرابًا؟ كم مرةً اعتقد أنه وجد ملاذه، فاستفاق ليجد أن ما بين يديه ورقٌ محترق؟ دفع المال، دفع روحه، دفع عمره ليشتري ولو للحظةٍ إحساسًا زائفًا بالانتماء، لكنه في كل مرةٍ كان يعود إلى غرفته فارغًا، يحصي خساراته كما يحصي مقامرٌ أوراقه الأخيرة
في الليل، حين تسكن الضوضاء، يتحول سريره إلى بحرٍ هائج، وأحلامه إلى أمواجٍ متلاطمة. يغمض عينيه فتلاحقه وجوهٌ لا يتذكرها، أصواتٌ تهمس له بلغاتٍ مجهولة، وذكرياتٌ تعود كشظايا مرآةٍ مكسورة، تعكس صورًا مشوهة لرجلٍ لم يعرفه من قبل. يحاول أن ينام، لكن النوم يرفضه، وكأن الأرق أقسم أن يكون رفيقه الأبدي
العالم حوله مسرحٌ كبير، والممثلون يتقنون لعب أدوارهم. يضحكون حين يجب أن يبكوا، ويقسمون بالحب وهم يخبئون الخناجر خلف ظهورهم. كل شيءٍ مزيف، حتى انعكاسه في المرآة صار يشك فيه. يرى وجهًا ليس له، يرى عيونًا منهكةً من الركض خلف أشياء لم تكن له يومًا. حتى الهواء صار ثقيلاً، حتى الأصوات تداخلت، حتى روحه صارت تشبه مدينةً اجتاحتها الحرب ولم يبقَ فيها سوى الركام
هو الطفل الذي كبر ولم يجد حضنًا، العاشق الذي لم يعرف الحب إلا في الأغاني، العابر الذي لم يبقَ في ذاكرة أحد. يبحث عن يدٍ تمتد وسط العتمة، عن همسةٍ تقول له: "لست وحدك"، لكنه يعرف أن المدينة فارغة، وأن الأبواب مغلقة، وأن الجميع منشغلون في رقصاتهم البلهاء
في الصباح، سيرتدي وجهًا آخر، سيضحك كأن قلبه لم ينكسر ألف مرة، سيمضي كأن الليل لم يسلبه راحته، وسيدّعي أن كل شيءٍ على ما يرام لكنه وحده يعلم أن الليل سيعود، وأن الوحدة ستنتظره عند العتبة، وستسأله: "أما زلت تظن أن الغد قد يحمل لك شيئًا غير الفراغ؟"
في ليلٍ نحيلٍ بوجهٍ كئيبْ
تراقص ظلّهُ على جفنِ غيبْ
يحدّق في العمرِ يمضي وحيدًا
كطيرٍ سقيمٍ بلا أيّ سربْ
تآكلَ صمتُهُ، تشظّى حنينُهُ
كزهرٍ ذوى قبلَ فصلِ الهبوبْ
يخافُ غدًا، كلّ شيءٍ سرابٌ
كحلمٍ تهشّمَ قبلَ الغروبْ
أحبَّ.. وخانتهُ كلُّ القلوبِ
وعانقَ وهمًا، وعاشَ الذنوبْ
دفعَ المالَ ثمنَ الأمانِ
ولكنّهُ ظلّ عبدَ الحروبْ
مدينتُهُ سجنٌ.. وجوهٌ زجاجْ
وشمسٌ تُضيءُ بثوبِ الخداعْ
يحدّثُ نفسَهُ: هل أنا في وجودي؟
أم أنّي خيالٌ.. دخانٌ.. متاعْ؟
يُناجي الوسائدَ في كلّ ليلٍ
كطيفٍ يغنّي لصمتِ السُهادْ
ويحلمُ.. لكنّهُ كلّ فجرٍ
يصحو غريبًا.. كسيرَ الفؤادْ
يعبرُ دربًا مُعلَّقَ ظلّهُ
كأنّ الحياةَ سرابٌ يذوبْ
فمن ذا يراهُ؟ ومن ذا يداري؟
ومن ذا لروحهِ بابٌ يروبْ؟
وحدهُ يسألُ: هل من نجاةٍ؟
وهل من يراهُ سوى العابرينْ؟
أم أنّ الحياةَ أكاذيبُ سيركٍ
وأدوارُ زيفٍ.. وضحكٌ دفينْ؟
مرايا التيه في دروب الحيرة
أهو قويٌّ أم هشٌّ كرمادِ ورقةٍ سقطت بين العابرين؟ أهو جبلٌ لا تهزّه الرياح أم عودُ ثقابٍ يرتجفُ بين أصابعِ الريح؟ يظنُّ نفسه ثابتًا، لكنّه يتهاوى في داخله كمدنٍ انهارت تحت ثقلِ الزلازل. لا يعرفُ إن كان يُحبُّ ذاته أم يكرهها، أيرى في ملامحه ملامحَ بطلٍ نُحِتَ من ضوءٍ، أم مجرّد عابرٍ منسيٍّ بين الأزقّة والوجوه؟ كلّ صباحٍ يتأمّل صورته في المرآة، يسألها: "هل أنا منك؟ أم أنني دخيلٌ على نفسي؟" لكنّ الزجاج لا يجيب، بل يضحكُ بصمتٍ ويتركه معلّقًا في التيه
وحيدًا يسيرُ في شوارع المدينة، يلتهمُ العيونَ بنظراته، يتساءل في سرّه: هل يراني الناسُ بنقاءٍ أم بضباب؟ هل يتحدثون عنه همسًا في غيابه، أم هو طيفٌ يعبرُهم دون أن يتركَ أثرًا؟ كم تمنّى أن يقرأ العقول، أن يسافر بين الضمائر، أن يلتقطَ الأحاديث المخبوءة خلف الابتسامات المتصنّعة. لكنه عاجزٌ، كطائرٍ يرفرفُ بجناحين من حجر، فلا يبقى له إلا أن يغرق في تكهّناته، ويخوضُ معاركه مع الأشباح التي يصنعها خياله
نجاحٌ أم سقوط؟ قمةٌ أم هاوية؟ كلّما خطا خطوةً نحو الشمس، امتدّت الظلالُ وسحبته إلى الوراء. يجري.. يلهث.. يشقُّ الطريقَ بقدميه، لكنّ خطوته الأخيرة تُمحى دائمًا قبل أن يلمس الأفق. أهذا قدرٌ كُتب عليه؟ أم لعنةٌ تطارده منذ وُلد؟ يريد أن يصل، أن يثبتَ لنفسه أنّ المسافات لا تخيفه، أنّ الطرق وإن تعرّجت ستقودهُ يومًا إلى مرسى، لكنّ الرحلة تتجدّدُ دون نهاية، وكأنّه يسيرُ في دائرةٍ مرسومةٍ بيدِ القدر
هو حالمُ النهار، تاجرُ الأوهام، ينسجُ مدنًا في رأسه، يبني جُزرًا لم تطأها قدم، يرتقي جبالًا لم ترسمها الخرائط، يحلّقُ فوق مدنٍ لم تخلقها الأرض. يحلمُ بحياةٍ تفوق الواقع، بطموحاتٍ تضيقُ بها السماء، لكنه في النهاية يعودُ ليجد نفسه في ذات الزاوية، ذات الحجرة، ذات النافذة، يُحدّقُ في اللاشيء
يخشى الشرَّ لكنّه يخشى نفسه أكثر، يخافُ من الظلمةِ لكنّه قد يكون عتمتَها الخفيّة، يهربُ من الغضب لكنّه يسكنُه كوحشٍ متأهّب. الغضبُ يلتفُّ حوله، يسري في دمائه كأفعى سوداء، يُحاولُ كسره لكنه ينهضُ من جديد، يُحاول إخماده لكنّه يشتعلُ ببطءٍ كجمرةٍ في الريح. يُقاوم.. يُقاوم.. لكنه يعرفُ في أعماقه أنّ هناك شيئًا في داخله يتأجّج، يتربّص، ينتظرُ لحظة الانفجار
وأحيانًا.. يكادُ ضوءُ الإيمانِ في قلبه أن يخبو، شمعةٌ تترنّحُ أمام العواصف، لكن فجأة.. تنفجرُ شعلتها وتزمجرُ كالنمور. نعم، هو النمر! أو هكذا يخبر نفسه قبل أن يبتسم بسخريةٍ ويعود إلى صمته الطويل
لكن، كيف سينتهي هذا كله؟ في عشرِ سنين.. أين سيكون؟ هل سيظلُّ تائهًا بين الدروبِ ذاتها، أم سيرتدي وجهًا جديدًا ويضحكُ في وجهِ ماضيهِ كأنّه لم يكن؟ أسيكون سعيدًا، مُطمئنًا، عاشقًا، أم سيبقى رهينةً للأسئلة التي لا تحملُ أجوبة؟ والأهمّ.. هل سيظلّ يبحثُ عن مكانه في هذا العالم، أم سيكتشفُ في النهاية أنّه لم يكن هناك مكانٌ له أصلًا؟
أأنا قويٌّ أم أني هشّ؟
كعصفورِ وهمٍ بعاصفَةٍ عشّ؟
جبلٌ يشمُّ السماءَ بأنفٍ
أم ظلٌّ يُمحى إذا الريحُ مشّ؟
أأحببتُ نفسي؟ أم أني عدوٌّ
يلاحقُ روحي بسيفٍ وَوَشّ؟
أأنا قريبٌ إلى قلبِ ذاتي
أم أني غريبٌ غريبٌ وعشّ؟
أرى الناسَ تمضي، أراها تُحدّق
ولكنْ بعيني ظلالٌ وطمش
أأكرهُهُم أم هُمُ بي يُعادون؟
وهل يعشقونَ وجودي أمش؟
كمْ ودِدتُ قراءةَ عقلِ البشَر
أرى ما يَضُمُّ ويخفي الغمش
لكني وحيدٌ بعالمِ صمتٍ
يجوبُ الظنونَ بحزنٍ يَطُشّ
نجاحٌ سقوطٌ طريقٌ سرابٌ
أهذا المسارُ مجازٌ وحش؟
أسيرُ وأمشي وأخطو طويلاً
وفي كلِّ خطوةٍ يعودُ الغَشّ
أهذا طريقي؟ أهذا المصيرُ؟
أهذا قضاءٌ بخطٍّ يُرَشّ؟
أريدُ الوصولَ لأعلى المراقي
ولكنْ قيودي تعودُ وتَحشّ
حالمُ نهارٍ، أميرُ الخيالِ
بُنياني ضوءٌ ومملكةُ عش
أبني الجبالَ ونسجُ الغيومِ
وفي كلّ حلمٍ قصيدي يُنَشّ
ولكنْ أخافُ من الشرِّ حولي
وأخشى بأنّي الشياطينُ وَشّ
أفرُّ ولكنْ يلاحقني غضبي
ويسكنُ في الصدرِ نارًا ووهج
أحاولُ كسرَ قيودي ولكن
يُقيّدني الغضبُ قيدًا ودَشّ
فهل كنتُ نورًا؟ وهل كنتُ نارًا؟
وهل في جحيمي سيحيا الفَرَش؟
أحيانًا تذوي شموعُ يقيني
تضيعُ بليلٍ طويلٍ أَفَشّ
ولكنها فجأةً تستعيدُ
ضراوتها كالأسودِ وَحُشّ
نعم! أنا النمرُ، صوتي يزمجر
وقلبي يقاتلُ ليثًا ودُشّ!
ولكنْ سؤالٌ يدورُ بعقلي
كأنّي به في جحيمي أعيش
متى ينتهي كلُّ هذا الجنونُ؟
وأينَ ستمضي خطايَ وتَحش؟
بعدَ العشرِ أينَ أكونُ وأحيا؟
وفي أيِّ حالٍ سيفنى العَطِش؟
أأسعدُ يومًا؟ أموتُ حزينًا؟
وهل في الوجودِ وجودي يُدَشّ؟
وهل كنتُ حقًّا وجودًا وحلمًا؟
أمِ الحلمُ عني توارى وُحُش؟
الضياع في دوامة الأرقام والأوهام
هو ضائع… ضائع بين العقل والخيال، بين الصحو والحلم، بين دروب الفكر المتشابكة كخيوطِ عناكب في زاوية مهجورة. لا يدري ما يريد، ولا أين يجب أن يكون، ولا كيف يسير، وكأن قدميه خُلِقَت لتدورَ في دائرة مغلقة، طريقٌ بلا بداية ولا نهاية، كأنما يسير على ساعةٍ رملية، كلما وصلَ إلى القاع، انقلبت به الحياةُ رأسًا على عقب ليعود إلى نقطة البدء من جديد. وحدهُ رقمٌ واحدٌ يلوحُ في الأفق كسفينة نجاة غامضة: 1126000… لا يعلم ما هو، لكنه يظن أنه يحمل الجواب، كأنه مفتاحُ أبواب الراحة التي لم يجدها. قد يكون مبلغًا من المال يحتاجه للهروب، أو عدد الساعات التي عليه أن يقضيها قبل أن يدرك مصيره، أو ربما عدد الدقائق التي تفصله عن لحظةٍ كان يجب ألّا تفوته… أو ربما—وكم يبدو هذا مثيرًا للسخرية—هو رقم هاتفٍ ينتظر منه اتصالًا، لكنه لا يعرف من أين يأتي ولا متى سيرنّ. لكنه يعرف الحقيقة، يعرف أنه يكذب على نفسه، يعرف أن كل أحلامه المبنية على أرقامٍ وأوهام ليست سوى خدعٍ يقنع بها ذاته، أكاذيب ينثرها كحروفٍ على جدارِ أحلامه، ووعودًا زائفةً يخبئها في وسادته ليحلم بها ليلًا، لأنه في الحلم فقط تصبح الأكاذيب حقيقة، والوعود تتحقق، والخسائر تتلاشى
لكن إلى متى؟ إلى متى سيظل سجين هذا المتاهة التي لا يعرف إن كانت من صنع يده أم من عبثِ القدر؟ إلى أين ستأخذه هذه الدوامة التي تغرقه كلما حاول السباحة للأعلى؟ ماذا بعد؟ عشر سنوات أخرى من الحيرة، من الركض خلف سرابٍ يتكسر تحت قدميه؟ هل سيصبح يومًا ذلك الرجل الذي يحلم أن يكونه، أم يظل ذلك الفتى الذي يخشى الغد ويهرب من اليوم؟ أسئلةٌ كثيرةٌ تتلاطم في رأسه كأمواج بحرٍ هائج، لكن الإجابة تظل
هو ضائع… ضائع بين العقل والخيال،
بين الصحو والحلم في دروبٍ محال،
بين دروب الفكر المتشابكة كالأنوال،
وكأن قدماه في دائرةٍ دون دلال.
لا يدري ما يريد، ولا أين يسير،
وكأن الوقت يهرب في دوامةٍ تسير،
كأن الساعة تلدغ والدقائق تتسير،
وهو عالقٌ في رحلةٍ ما لها مسير.
رقمٌ واحدٌ يلوح في الأفق البعيد،
1126000 يتراءى كالأمل المديد،
مبلغٌ قد يكون أو ساعاتٍ بعيد،
أو ربما رقم هاتفٍ قد يطير.
لا يعرف ما هو، ولكنه متأكدٌ
أنه يحمل الجواب، مثل السر الذي يُبنى،
ربما أملٌ، ربما وهمٌ بيدٍ تُغنى،
لكن هو يعلم أنه يكذب ويُفنّى.
أكاذيبٌ تُبنى على أملٍ وتخدع،
وعودٌ زائفةٌ تهدأ ثم تُبعث،
لكن إلى متى؟ وإلى أين يمضي؟
هل سيظل يركض وراء السراب في المدى البعيد؟
عشر سنوات أخرى من الحيرة والدوران،
ركضٌ خلف حلمٍ مفقودٍ في الزمان،
هل سيجد الأمان أم تبقى الأوهام؟
أسئلةٌ في رأسه، لكن لا جواب في المكان.
متى يكون اليوم الذي يختار فيه الطريق؟
أم سيظل في رحلةٍ من دون طريقي؟
إلى متى سيبقى تائهًا في الزمان؟
متى سيُفكّ قيده ويحل السلام؟
-رامز الكسان
#همسات_الطريق_المفقود #الضياع #البحث_عن_الذات #أحلام #تفكير #أوهام #رحلة_الحياة #الزمن #الأمل #الفقد #التشويش #القلق #التوهان #التفكير #الأسئلة




Comments